زيارة المرضى في تطوان خلال رمضان..طقس روحي عميق يمزج الأصالة بالقيم الإسلامية السمحاء

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

زيارة المرضى في تطوان خلال شهر رمضان ليست مُجرد واجب اجتماعي، بل هي طقس روحي عميق تَمتزِج فيه الأصالة الاجتماعية بالقيم الإسلامية السمحة ،وهي أيضا تجسيد حي لمبادئ التضامن وطقس اجتماعي يتنفس بعبق تاريخ المغاربة والقيم الأندلسية والجبلية الأصيلة.
و زيارة المريض في تطوان هي واجب ديني يتجلى في إلتفاتة إنسانية تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتُخفف عن المريض وطأة المرض ومرارة الغياب عن طقوس رمضان التعبدية ،استحضارا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : “مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ”.
وفي تطوان، يُقال إن “الزيارة تخفف نصف الألم”، وهو إيمان شعبي راسخ يجعل من زيارة المريض واجبا لا يتأخر عنه الصغير ولا الكبير ولا المرأة ولا الرجل ولا الشاب ولا المُسِن ، خاصة في أيام العشر الأواخر من الشهر الفضيل .
ومن أبرز ملامح هذه الطقوس الروحانية والعادات المُتبعة احترام التوقيت والآداب ،ففي رمضان بالذات يحرص التطوانيون على اختيار الأوقات التي لا تُثقل على المريض مع مراعاة حاجته للراحة ،و تكون الزيارات قصيرة وسريعة بعد صلاة العصر لتَفَقد أحوال المريض قبل انشغال العائلات بتحضير مائدة الإفطار ،أو بعد صلاة التراويح ،و هي الفترة الأنسب للزيارات الطويلة نسبيا .
كما من أبرز ملامح الزيارة الهدوء والوقار ،بحيث تتميز الزيارة بالدعاء الصامت والكلمات الطيبة التي ترفع معنويات المرضى المعنيين، تماشيا مع الحديث النبوي “خففوا الزيارة”.
و يُعتبر من غير اللائق زيارة المريض قبيل الإفطار أو خلاله، احتراما لخصوصية البيت وانشغال العائلة بالعبادة والتحضير وأمورها الخاصة .
كما أن الزائر لا يدخل على المريض ويداه فارغتان، وهناك أطباق معينة مرتبطة بهذه المناسبة في تطوان ،كالتمر الفاخر والتين المجفف وفواكه جافة معينة والفواكه الموسمية لتعزيز طاقة المريض وربطه بأجواء رمضان ، و غالبا ما كانت تَحْمِل العائلات معها طبَقا ساخِنا من المنزل كنوع من البركة والمشاركة.
وفي إطار التكافل الاجتماعي ، المريض في رمضان في تطوان “مَحْمول” من طرف الجميع ،إذ يحرص الجيران على إرسال وجبات الإفطار لعائلة المريض المنشغلة برعايته، لضمان عدم إهمالهم لشعيرة الإفطار.
و إذا كان المريض يمر بضائقة مادية، غالبا ما يتم جمع “زيارة” (مبلغ مالي) بشكل سري ولَبِق بين الأهل والأصدقاء وتسليمه لربة البيت تحت مسمى “بركة رمضان”.
وفي حالات المرض الشديد، قد تجتمع العائلة أو الجيران ،إما في منزل المريض أو في منزل أحد الجيران أو في إحدى الزوايا القريبة من المنزل لقراءة “الدعاء الناصري” أو ذكر “يا لطيف” أو قراءة الأمداح النبوية بنية الشفاء للمريض ، مع استحضار قيم الصبر والأجر المُضاعف في هذا الشهر الفضيل لرفع معنويات المريض .
و جرت العادة أن يُطلب من إمام مسجد الحي الدعاء للمرضى بالشفاء عقب صلاة التراويح، مما يعزز الشعور بالانتماء والدعم المعنوي والتآزر .
و يركز الزوار على عبارات مثل “طهور إن شاء الله” و”الله يجعلها مغفرة للذنوب”، مع التفاؤل ببركة الشهر الكريم في التعجيل بالشفاء.
و من عادات أهل تطوان تبخير بيت المريض بشكل خفيف وبكميات قليلة للتعطير ولخلق جو من السكينة والروحانية مع التهوية الجيدة وتجنب البخور الكثيف حتى لا يلحق ذلك الضرر بالمريض .
وهذه العادات الإنسانية لا تزال صامدة أمام برودة التواصل الرقمي، لتظل تطوان نموذجا للمدينة التي تحتفي بالإنسان في أضعف لحظاته، بنكهة رمضانية لا تُنسى ،إسوة بباقي مدن المغرب الفخور بأصالته .

error: Content is protected !!