عندما يصبح شراء أجزاء من الكبش عند الجزار حلا لمواجهة غلاء الماشية

هالة انفو. كتب: عبد العزيز حيون

تحول عيد الأضحى في السنوات الأخيرة، من مناسبة ترتكز بالأساس على طقس “شراء الأضحية” إلى مناسبة تفرض تدبيرا واقعيا و مختلفا لتدبير الميزانية المخصصة لاقتناء الأضحية.
ومع الارتفاع الملحوظ في أسعار الماشية، بدأت تبرز ظاهرة اجتماعية لافتة تتمثل في “الاتفاق المسبق مع الجزار” لتوفير كميات محددة من اللحم بدلا من اقتناء كبش كامل،كما جرت العادة دائما.
وتشهد أسواق الماشية في مدن الشمال، في طنجة كما في تطوان …، طفرة في الأسعار جعلت من اقتناء كبش العيد عبءا يثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
هذا الواقع الجديد دفع فئات واسعة من المواطنين إلى ابتكار حلول بديلة تضمن الحفاظ على روح المناسبة “الدينية” مع مراعاة التوازنات المالية للأسرة، وأبرز هذه الحلول هي “التعاقد الصامت” مع جزار الحي أو بعض الوسطاء الذين يتخصصون في مثل هذه “الخدمة الجديدة”.
وقبل سنوات قليلة، كان الفخر الاجتماعي يرتبط بحجم الكبش ونوعيته (السردي أو البركي وتمحضيت…)، لكن اليوم، ومع وصول الأسعار إلى مستويات قياسية، بدأت تغيب مظاهر “الكبش الكبير ” لصالح أكياس اللحم الجاهزة.
ويعتمد العديد من الأسر الآن على “استراتيجية حجز ” أجزاء من الكبش لدى جزار السوق الأقرب، حيث يدفع رب الأسرة مبلغا يوازي ثلث أو نصف ثمن الكبش، ليحصل في المقابل على كمية من اللحم المذبوح صبيحة العيد أو قبلها بأيام .
و لا يرتبط هذا التوجه فقط بعدم القدرة الشرائية، بل يتعداه ،ربما، إلى أسباب عملية ،منها تجنب المواجهة مع “الشناقة” (الوسطاء)،وبالتالي تجنب المضاربات العشوائية في الأسواق التي ترفع الأثمان بشكل غير مبرر يثقل كاهل الناس.
كما أن التعامل مع جزار موثوق يضمن جودة اللحم ونوعية التغذية التي تلقاها ” كبش الأضحية”، بعيدا عن مخاوف “تغير لون اللحم” أو الأمراض ،وبعيدا كذلك عن مزاج “الشناقة” وتقلبات الأسواق التي لم تعد تلائم الكثير من الناس.
كما أن أغلب الأسر تعيش في شقق سكنية لا تسمح بإيواء الأضحية لأيام، مما يجعل خيار الجزار أكثر نظافة وراحة وملاءمة لجيوب الناس.
و رغم أن هذا الخيار يبدو اقتصاديا بامتياز الى حد ما ، إلا أنه يحمل غصة لبعض العائلات التي كانت دائما ترى في “ذبح الكبش” داخل البيت طقسا لا يعوض للأطفال.
ومع ذلك، يسود في المجتمع الشمالي حاليا نوع من “التضامن الواقعي”، إذ أصبح من المعتاد مناقشة فكرة شراء اللحم بالتقسيط أو الاشتراك في أضحية واحدة بين الإخوة أو الجيران، كنوع من التدبير “العقلاني” للأزمات الطارئة.
الجزار: “بطل” المرحلة:
تحول الجزار في أحياء بعض مدن شمال المغرب إلى “مستشار مالي” وملاذ للأسر ،فهو الذي يسهل عملية الأداء، ويقدم التقطيع المناسب للأطباق التقليدية (كالعلاوة (الكرشة) ، والتحلية (المروزية)، والشوية ولحم الشواء (القطبان) واللحم المبخرة)..، مما يوفر على ربات البيوت عناء كبيرا في التوضيب والتحضير.
و اختيار اللحم عوض الكبش في مدن شمال المغرب،وإن كان لا يلائم عادات المغاربة الدينية والاجتماعية وهو بمثابة تراجع عن شعيرة عمل بها المغاربة دائما، فهو “إعادة صياغة لنمط الاستهلاك ” بما يتوافق مع الواقع الاقتصادي.
وللأسف ،هذه العادة الجديدة قد تكون رسالة مفادها أن جوهر العيد يكمن في إدخال السرور على العائلة وجمع الشمل يوم العيد، حتى لو غاب “صياح الكبش” عن أسطح ومرائب المنازل.

error: Content is protected !!