ضربة أمريكية لإسبانيا: واشنطن توقف بيع طائرات مقاتلة لمدريد
هالة انفو. كتب:عبد العزيز حيون
قرار كان قد اتُّخذ بالفعل على المستويين الوطني والأوروبي بسبب حالة عدم اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة إلى أسباب تتعلق بالسيادة والسعي لضمان الاستقلال التكنولوجي، والعمل المشترك، والتطوير الصناعي المحلي،على حد تعبير الإعلام الأمريكي.
لم يصدر الأمر بشكل رسمي بعد من جانب الولايات المتحدة، لكنه بات مؤكدا من الطرف الإسباني.
ففي عام 2025، بدأت الملامح تتشكل ليس فقط على المستوى الوطني بل الأوروبي أيضا، مدفوعة برغبة في إعادة التسلح المحلي والرهان على الصناعة الدفاعية للقارة.
وتمر العلاقات بين الولايات المتحدة وإسبانيا حاليا بواحدة من أكثر فترات التوتر منذ سنوات، حيث تقف ملفات الدفاع والصناعات العسكرية في قلب هذا الجفاء.
ويبدو أن قرار الحكومة الإسبانية تجميد شراء “مقاتلات F-35” وإعطاء الأولوية للبرامج الأوروبية قد تسبب في برود الروابط التقليدية الوثيقة، في سياق يتسم أيضا بالخلافات حول الإنفاق العسكري داخل الناتو، والتعريفات الجمركية، والحرب في إيران.
وفي الساعات الأخيرة، أشارت معلومات متطابقة إلى احتمال فرض إدارة دونالد ترامب حظرا على بيع الطائرات المقاتلة لإسبانيا.
ومع ذلك، لم يتم تأكيد هذا السيناريو بأي بيان رسمي من واشنطن، مما يضع الجدال في خانة التسريبات والتجاذبات السياسية أكثر من القرارات المؤكدة.
لكن الثابت والمنظور حاليا هو التحول الاستراتيجي لمدريد، التي علقت اتصالاتها مع الولايات المتحدة بشأن صفقة الـ F-35 واختارت تعزيز الحكم الذاتي الصناعي الأوروبي في مجال الدفاع، وهو رهان يعيد رسم توازنات القوى داخل الحلف الأطلسي.
وعليه، سيتعين على المقاتلة الأمريكية “F-35 Lightning II” ومصنّعها Lockheed Martin الانتظار، خاصة وأن هذه الطائرات كانت مخصصة لتعويض مقاتلات Harrier AV8B التابعة لسلاح البحرية الإسبانية، والتي تعاني شللا في قطع الغيار (وتعد إسبانيا الدولة الوحيدة التي لا تزال تستخدم هذه الطائرات بعد 50 عاما من دخولها الخدمة).
بالإضافة إلى ذلك، كان من المقرر أن تحل الـ F-35 بديلة لطائرات F-18 في سلاح الجو والفضاء، الذي كان يرفض الاعتماد الكلي على مقاتلات Eurofighter الأوروبية تفاديا لأي عطل تقني عام قد يصيب الأسطول.
معضلة “زر الإيقاف عن بُعد” (Kill Switch) والثقة المفقودة:
يكمن جوهر القلق الأوروبي في ما يُعرف بـ “Kill Switch”، وهو آلية فيزيائية وبرمجية للإغلاق والتحكم عن بُعد تتوفر عليها مقاتلات F-35.
ويعتمد هذا النظام الرقمي المتطور بالكامل على منصات بيانات مثل ALIS (نظام المعلومات اللوجستية الذاتي) وخليفته ODIN، وهي منصات تتيح لواشنطن فرض رقابة صارمة على العمليات العسكرية للحلفاء.
وتاريخيا، فرضت الولايات المتحدة حظرا برمجيا وقيودا على سلاسل الإمداد في منظومات تسليح مختلفة لضمان بقائها تحت السيطرة النهائية للبيت الأبيض.
وهو نوع من التهديد الذي يثير الضجة لو جاء من الصين (حتى لو تعلق الأمر بمكونات طواحين الهواء للطاقة المتجددة)، لكنه يمر بصمت عندما يأت من الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي — على الأقل حتى الآن.
من جانبها، تدافع الشركة المصنعة Lockheed Martin بأن إنتاج هذه الطائرات في إيطاليا يمنحها هوية أوروبية.
غير أن إصرار واشنطن على الاحتفاظ بمفاتيح التحكم في طائرات F-35، لا سيما التكنولوجيا الأكثر حرجا، لا يبعث على الثقة في إمكانية “فصل” أي زر تشغيل من واشنطن في أي وقت.
علاوة على ذلك، فإن تكلفة صيانة هذه المقاتلة باهظة جدا، وتفرض الشركة بنية تحتية وشروطا معقدة اعتبرتها إسبانيا ودول أوروبية أخرى نوعا من الإجحاف والشروط التعجيزية.
وفي غشت من العام الماضي، استبعدت إسبانيا رسميا خيار الـ F-35 لأسباب تتعلق بالسيادة الوطنية والمواءمة الميزانياتية مع أوروبا.
وتماشيا مع التوجه الأوروبي الواضح، تم الرهان على منصات دفاعية مشتركة تضمن الاستقلال التكنولوجي والتطوير الصناعي المحلي.
وحتى تدخل مشاريع الجيل القادم مثل FCAS وTempest الخدمة الفعلية، ستظل مقاتلات الجيل الرابع المطور مثل Eurofighter وRafale وGripen هي العمود الفقري للقوات الجوية في القارة العجوز.
المأزق التكتيكي لسلاح البحرية الإسباني:
رغم وجاهة الطرح السيادي، تواجه إسبانيا مشكلة تقنية معقدة تتعلق بـ حاملة الطائرات “خوان كارلوس الأول” (Juan Carlos I) التابعة للبحرية، فهذه السفينة الحربية مصممة حصريا لتشغيل طائرات ذات قدرة على الإقلاع العمودي والهبوط القصير (VTOL).
وتمتلك البحرية الإسبانية حاليا 11 طائرة Harrier فقط وهي في طور الخدمة المتقاعدة والنهائية، وتعد الطائرة الأمريكية F-35 الطائرة الوحيدة المتاحة في السوق العالمية (حتى الآن) التي تمتلك هذه الخصائص التقنية الهجينة، ومن هنا ينبع المعطى المعقد والمعضلة الاستراتيجية التي تواجه صناع القرار العسكري في مدريد.