تطوان والنقل الكهربائي (الطْرُولي): ريادة حضرية، كفاءة اقتصادية، و وعي بيئي من الزمن الجميل

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

في وقت تتسابق فيه مدن العالم للبحث عن توليفة سحرية تجمع بين التوسع العمراني والحفاظ على البيئة بشكل متوازن وناجع، تبرُز مدينة تطوان كنموذج مغربي رائد نجح في فك هذه الشفرة مُبكرا في أربعينيات القرن الماضي .
و لم يكن الأمر يندرج فقط في خطة مُلهمة للنقل العمومي، بل كان تجسيدا لوعي حضري متقدم تمثل في تجربة حافلات “الطْرُولي” الكهربائية النظيفة ،تلك الحافلات التي نسجت خيوطا من طاقة نظيفة فوق شوارع المدينة، لتضرب عصفورين بحجر واحد: حِس بيئي رفيع يحُد من الانبعاثات الكربونية، و تنظيم حضري مُحكم أعاد صياغة انسيابية الحركة داخل الفضاء العام الذي كان يتطور بتوازن وليس بعشوائية .
و تجربة “الطْرُولي” (المأخوذة من الكلمة الإنجليزية المركبة الترولي باس Trolleybus ) في تطوان هي ليست وسيلة نقل عابرة في تاريخ المدينة وإنما هويّة بصرية وبيئية سبقت عصرها، وشاهدة على أن الحداثة التنظيمية والحضرية لا تتناقض أبدا مع نقاء الطبيعة .
وأثبتت التجربة كذلك أن مدينة تطوان لا تتميز فقط بإرثها التاريخي والثقافي النوعي والمتفرد، وإنما تتميز أيضا بفصول من التمرد العمراني والخدماتي الذي شهدته المدينة في القرن الماضي وقفزة نوعية في تاريخ التخطيط الحضري للمدينة، وفي هذا السياق تبرز تجربة الحافلة الكهربائية التي يسميها أهل الحمامة البيضاء “الطْرولي” .
ولوضع استقدام ترجبة “الطْرُولي” في السياق التاريخي ،لا بد من الإشارة الى أن هذه الحافلات الكهربائية دخلت إلى تطوان في منتصف القرن العشرين وامتدت إلى غاية سبعينات القرن الماضي ، لتصل المدينة بنواحيها وخصوصا بمرتيل مرورا عبر مطار “سانية الرمل” ،وربطت وسط المدينة بحيين رئيسيين آنذاك ،الخط الأول ربط بين ساحة مولاي المهدي (بلاثا بريمو) ،حيث كانت المرافق الإدارية ،و مطار المدينة عبر حي سانية الرمل والمستشفى الإقليمي ،والخط الثاني ربط بين ساحة الفدان وحي سيدي طلحة (باريو مالقة) عبر أسواق مرجعية (ترانكات وباب النوادر) والسجن المحلي.
كانت هذه الحافلات الخضراء اللون ،الذي يرمز الى البيئة النظيفة ،تعتمد على الطاقة الكهربائية المستمدة من أسلاك علوية معلقة عبر ذراعين متحركين (Perches)، مما جعلها تختلف تماما عن الحافلات التقليدية التي تعتمد على المحروقات ،وهي الحافلات التي كانت تؤمنها حافلات إسبانية في البداية مثل شركة “لا بالينسيانا” ثم لاحقا مع بداية الاستقلال شركات مغربية عمومية أو خاصة مثل “السدراوي” و”حمادي” و”الحمامي”…
في ذلك الوقت، كانت تطوان تشهد توسعا عمرانيا يجمع بين الضخامة والبساطة وحركة دؤوبة بين وسط المدينة التاريخي والمناطق المحيطة بها، وكان اختيار “الطْرُولي” استجابة ذكية لربط هذه النقاط الحيوية بنجاعة وانسيابية .
وفي البعد البيئي والاستدامة ،عكست تجربة “الطْرُولي” ريادة مبكرة لتطوان ،فإذا قمنا بتحليل تجربة “الطْرُولي” من منظور بيئي معاصر، سنجد أن المدينة كانت سباقة لاعتماد مفهوم “النقل المستدام” قبل عقود من تحوله إلى هوَس عالمي ومطلب أممي:
صفر انبعاثات غازية: كانت حافلات “الطْرُولي” تشتغل بمحركات كهربائية بالكامل. هذا يعني أنها لم تكن تطلق غاز ثنائي أُكسيد الكربون (CO2) أو الجسيمات الدقيقة في شوارع المدينة، مما حافظ على نقاء هواء تطوان وجبال درسة وغرغيز المحيطة بها في زمن بدأت فيه العوادم تخنق المدن الكبرى وتتسبب لها التلوث .
مكافحة التلوث السمعي: من الخصائص المعروفة عن محركات الكهرباء الهدوء التام مقارنة بالمحركات المعتمدة على المحروقات الأخرى الصاخبة..حافلات “الطْرُولي” ،التي تواجد مقر إدراة شركتها الرئيسي قبالة مدخل حي “التوتة” ، كانت تتحرك بسلاسة وهدوء، مما ساهم في الحفاظ على السكينة العامة للمدينة، وتماشى مع طبيعة تطوان الهادئة والوادعةوالمَخْملية .
استغلال الطاقة المحلية المتاحة: الاعتماد على الكهرباء كان يقلل من التبعية للمحروقات المستوردة، وهو توجه يتقاطع تماما مع السياسات البيئية والاقتصادية الحالية التي تشجع على الطاقات المتجددة والنظيفة، خاصة وأن منطقة الشمال ،ولله الحمد، تتميز دائما بتساقطات مطرية مهمة على طول السنة وبسدودها العامرة .
ولم يقتصر البعد البيئي لحافلة “الطْرُولي” على الجانب الطبيعي، بل امتد لما يصطلح عليه في القاموس البيئي حاليا “البيئة الحضرية والاجتماعية”:
تنظيم المجال الحضري: الشبكة السلكية المعلقة كانت تفرض مسارات محددة ومنتظمة، مما ساهم في خلق ثقافة سير جولان منظمة واحترام دقيق للمواقيت والمحطات والمسار الواضح .
الربط الإيكولوجي بين المدينة والساحل: كانت الرحلة من تطوان إلى مرتيل (مع العلم أن المسافة الرابطة بين مطار “سانية الرمل” ومرتيل كانت تعتمد على البطريات الإيكولوجبة وليس على الأسلاك المعلقة) ، مثلا ،توفر للمواطنين والزوار وسيلة مريحة وصديقة للبيئة للوصول إلى الشواطئ والفضاءات المفتوحة، دون الحاجة لملء الطرقات بالسيارات الخاصة المُلوثة .
من الذاكرة إلى المستقبل
بالرغم من اختفاء حافلات “الطْرُولي” من شوارع تطوان لاحقا دون سابق إنذار وتعويضها بحافلات ملوثة يقال إنه كان ل”أسباب تنظيمية واقتصادية” ارتبطت بتلك الحقبة، إلا أن صورتها ما زالت حية في ذاكرة الأجيال التي عاصرتها، وتوثقها الصور القديمة بكثير من النوستالجيا والرغبة الدفينة في إعادة التجربة الرائدة التي لم يفهم أهل تطوان سبب تقويضها رغم التبريرات التي كانت قُدمت حينها ولم يقتنع بها أحد غير من اتخذ القرار .
و اليوم، وفي ظل التحديات المناخية الراهنة وتوجه المغرب نحو “المخططات الوطنية للتنمية المستدامة”، تَبْرز تجربة “الطْرُولي” كشاهد تاريخي على أن النقل النظيف ليس تقنية مستوردة حديثا، بل هو جزء من الذاكرة التدبيرية لمدينة تطوان في عصرها الذهبي .
وللتذكير ، اعتمدت مدينتان فقط في المغرب على الحافلات الكهربائية (الطْرُولي ) في القرن العشرين، فهناك تجربة مدينة الدار البيضاء ،التي بدأت بتشغيل شبكتها الخاصة في أوائل الثلاثينيات واستمرت في العمل بنجاح حتى أواخر الستينيات من القرن العشرين ، وهناك تجربة تطوان التي انطلق العمل بأسطولها في أواخر الأربعينيات (تحديدا عام 1949) ، وظلت تجوب شوارعها حتى تم تفكيكها واستبدالها بحافلات أضرت أكثر مما نفعت .
و إن استحضار هذا البعد البيئي اليوم يشكل حافزا لكل المدن المغربية بشكل عام ولمدينة تطوان بشكل خاص لإعادة التفكير في إدراج حافلات كهربائية حديثة أو وسائل نقل أخرى صديقة للبيئة مستقبلا للحفاظ على الهوية البيئية لمدينة “الحمامة البيضاء ” وحمايتها من التلوث المعاصر الذي يتضخم حجمه وخطورته من يوم لآخر.
في الختام، يظل “الطْرُولي ” في تاريخ تطوان أكثر من وسيلة نقل عابرة فقط ،إنه رمز لعهد ذهبي كانت فيه المدينة سبّاقة ،مع أختها مدينة الدار البيضاء ، لتبني “الإبداع في النقل الحضري ” ..وإذا كان هذا النظام قد شكل “سابقا” جزءا من الهوية اليومية للمدينة وذاكرتها البصرية الجميلة، فإن استحضار أبعاده اليوم يحمل رسائل غاية في الأهمية للمستقبل.
أولا في البُعد البيئي ،فقد أثبتت تجربة “الطْرُولي” أن الريادة البيئية ليست ترفا حديثا، بل خيارا استراتيجيا وفّر للمدينة هواءً نقيا ونظاما بيئيا خاليا من الانبعاثات الكربونية والتلوث السمعي في وقت مبكر.
ثانيا ، في البُعد الاقتصادي ،فقد شكّل المشروع نموذجا في نجاعة الطاقة والاعتماد على بدائل مستدامة قللت من تكاليف النقل وحافظت على حيوية الحركة التجارية والسياحية للمدينة برؤية استشرافية.
ثالثا ، البُعد الحضاري ، ف”الطْرُولي” يجسد التناغم الفريد لتطوان، حيث التقت عراقة العمارة الأندلسية والتاريخ المصنف عالميا بمدنيّة البنية التحتية العصرية والذكية ،التي لم تستطع المشاريع اللاحقة أن تعوضها ولو في الحد الأدنى .
وقصة “الطْرُولي” بتطوان ومع تطوان ليست مُجرد حنين إلى الماضي، بل هي درس تنموي مُلهم يؤكد أن العودة إلى النقل الكهربائي النظيف اليوم هي ضرورة حتمية ،وإنها أيضا دعوة للمصالحة بين إرث المدينة العريق ومتطلبات التنمية المستدامة، لتظل تطوان إحدى النماذج الناجحة للحاضرة المغربية ، التي تشتشرف المستقبل دون أن تَنْفصل عن أصالتها وهويتها .

error: Content is protected !!