الفنيدق.. حين تسبق اليقظةُ الأمنيةُ الفوضى

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

ليست أحداث الفنيدق في الساعات الأولى من صباح الخامس عشر من غشت مجرد واقعة أمنية عابرة، ولا مجرد أرقام تختزل في ضبط 111 مرشحاً للهجرة غير النظامية وتوقيف 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض الرقمي؛ إنها، في العمق، صورة واضحة لتحول طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على صناعة الوهم، وتعبئة الحشود، وتحويل الإشاعة إلى محاولة اقتحام للواقع.
ما يستحق التوقف عنده اليوم هو أن المقاربة الأمنية لم تنتظر لحظة الانفلات حتى تتحرك، بل اختارت منطق الاستباق واليقظة والانتشار الميداني والرصد المعلوماتي. وهو منطق يؤكد أن حماية الحدود وضمان سلامة المواطنين والحفاظ على النظام العام لا تبدأ عند وقوع الخطر، وإنما تبدأ من قراءة مؤشراته الأولى، وتتبع مساراته، وتجفيف منابع التحريض عليه.
إن ضبط 111 مرشحاً للهجرة غير النظامية، بينهم 109 مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ومرشحين اثنين من الجنسية المغربية، ومنع محاولات التسلل الجماعي، يؤكد أن الانتشار المكثف للقوات العمومية كان حاضراً في الوقت والمكان المناسبين. والأهم أن الوضع الأمني ظل، وفق المعطيات المتاحة، عادياً ومتحكماً فيه، وهو ما يعكس فعالية التدخلات الاستباقية وقدرتها على احتواء المخاطر قبل تحولها إلى أزمة مفتوحة.
لكن الوجه الآخر لهذه المعركة يوجد في الفضاء الرقمي. فحين يتم توقيف 61 شخصاً للاشتباه في تورطهم في الترويج والتحريض على الهجرة الجماعية غير النظامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن الرسالة واضحة: الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد محصوراً في الشارع والمعابر والنقاط الحدودية، بل أصبح أيضاً يقظاً لما يصنع في العالم الافتراضي وما يمكن أن ينتقل منه إلى الشارع.
وهنا تحديداً تبرز خطورة تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات للتحريض والتعبئة غير المسؤولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدعوات جماعية قد تعرض حياة أشخاص للخطر، أو تدفع شباباً ومهاجرين إلى مغامرات غير محسوبة، أو تستهدف المساس بأمن منطقة حساسة جغرافياً واستراتيجياً.
إن الدولة التي تواجه مثل هذه الدعوات بمنطق اليقظة لا بمنطق رد الفعل، إنما تؤكد أن الحزم الأمني لا يتعارض مع احترام القانون، بل يجد مشروعيته في تطبيقه، وأن حماية الحدود لا تعني فقط منع العبور غير النظامي، وإنما أيضاً حماية الأرواح ومنع استغلال اليأس والهشاشة في مشاريع فوضوية لا يعرف أصحابها إلى أين تقود.
والفارق كبير بين الاحتجاج أو التعبير عن مطالب اجتماعية، وبين الدعوة إلى اقتحام جماعي للحدود أو تنظيم عمليات للهجرة غير النظامية. الأول مجال للتعبير المشروع، أما الثاني فهو سلوك تترتب عليه مسؤوليات قانونية وأمنية واضحة.
لقد كشفت واقعة الفنيدق، مرة أخرى، أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، وإنما أيضاً في مواجهة صناعة الوهم على الإنترنت. ولذلك فإن استمرار اليقظة المعلوماتية، بالتوازي مع الانتشار الميداني، يمثل اليوم ضرورة أمنية ومؤسساتية، خصوصاً في مواجهة حملات مجهولة المصدر تتغذى على سرعة انتشار المحتوى وعلى قابلية بعض الفئات للتأثر بالرسائل المضللة.
وفي الفنيدق، كما في كل نقطة من نقاط الحدود الوطنية، لا يتعلق الأمر فقط بخط جغرافي على الخريطة، وإنما بسيادة دولة وبسلامة مجتمع وبمسؤولية مؤسسات. ومن هنا فإن الاستباق الأمني الذي حال دون تحول الدعوات الرقمية إلى واقع ميداني مضطرب يستحق أن يُقرأ باعتباره نموذجاً في إدارة المخاطر: يقظة في المعلومة، حضور في الميدان، وحزم في تطبيق القانون.
إن أخطر ما في الفوضى أنها تبدأ غالباً من فكرة تبدو صغيرة، ثم تتحول بفعل التحريض والتعبئة إلى حركة يصعب التحكم فيها. وما جرى في الفنيدق صباح اليوم يؤكد أن الدولة كانت تراقب هذه الفكرة قبل أن تتحول إلى فعل، وأن اليقظة سبقت الفوضى بخطوة.
وتلك، في نهاية المطاف، هي قيمة الأمن حين يكون استباقياً: أن يمنع الخطر قبل أن يصبح أزمة، وأن يحمي الحدود دون ضجيج، وأن يترك للقانون كلمته الأخيرة.

error: Content is protected !!