عادات تطوان الأصيلة: رمزية “الجد والجدة” في احتفالات عيد الفطر

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تطوان تكتسي في رمضان حُلة فريدة من نوعها، حيث تتجاوز الأجواء الظرفية الخاصة للعبادة لتُصبح طقسا اجتماعيا يفوح بعبق “النية” والترابط العائلي المتين ،الذي لا تكسره تغييرات الزمن ولا يتأثر بظروف الحياة و تحولات البشر.
وفي قلب هذه الأجواء، تبرز زيارة كبار السن خلال عيد الفطر على وجه التحديد كواجب يتجاوز صلة الرحم التقليدية والروتينية المعتادة، فهي رحلة في الذاكرة الإنسانية والإجتماعية وإحياء لتقاليد تأبى النسيان.
و لا تندرج زيارة كبار السن في هذا الوقت بالذات في إطار بروتوكول عائلي، بل هي عودة إلى الجذور، واستنشاق لوعاء الذاكرة في بيوت ساكنة المدينة .
ففي حضرة الجد أو الجدة، يستعيد العيد وقبله رمضان في تطوان طعمه الحقيقي، حيث الحكايات تروى بنكهة الماضي، والدعوات تمنح الإنسان الذي غادر رحلة شهر الصيام لِتَوه سكينة لا يجدها في زحام الحياة المعاصرة .
وزيارة كبار العائلة في تطوان في العشر الأواخر من رمضان كما يوم عيد الفطر كذلك هي طقس “مُقدس” يجمع بين قُدسية الزمان وجمالية المكان ، هي فرصة لتجديد الروابط تحت سقف “الدار الكبيرة”، حيث تترسخ قيم الاحترام والتقدير في نفوس الأبناء، وتستمر هوية المدينة عامة والعائلة خاصة في الانتقال من جيل إلى جيل عبر لمة عائلية لا تعوض .
وعادة ما يبدأ التحضير للزيارات في أواخر رمضان، ويُفضل الاتفاق مع أفراد العائلة (الإخوة والأبناء) لتنسيق توقيت موحد لزيارة الجد أو الجدة أو كبير العائلة بعد صلاة العيد مباشرة، لضمان اجتماع الشمل وتواصل أفراد العائلة من كل الأجيال .
فبعد العودة من صلاة العيد تكون الوجهة الأولى بيت كبير العائلة، وتبادل الدعوات بالصحة وطول العمر مع المسنين.. ويُفضل أن تكون الزيارة قصيرة الى حد ما لعدم إرهاق كبار السن الذين استعدوا لاستقبال المهنئين.
وجرت العادة أن يكون برنامج الزيارة مقسما بين الفترة الصباحية ،المخصصة للعائلة القريبة جدا (الوالدين والأجداد)، وفترة العصر ،التي يمكن استغلالها لزيارة الأعمام والأخوال أو كبار الجيران في الأحياء .
فهناك ترتيب هرمي للزيارات وفق الأولوية القصوى، ففي العرف التطواني، الزيارة تبدأ دائما من “الأصل” ثم الفروع ،ويبقى بيت الجد والجدة هو القبلة الأولى بعد صلاة العيد مباشرة حيث يجتمع فيها الكل ،صغارا وكبارا ،إناثا وذكورا .
وإذا كان الشاب أو الشابة يسكنان في منزل مستقل، فإن تقبيل يد الوالدين وطلب “الرضا” هو فاتحة نهار العيد، ثم يأتي دور الأعمام والأخوال الأكبر سنا.
و لزيارة كبار السن وقار خاص يتجلى في الحرص على ارتداء اللباس التقليدي الذي يمنح كبير السن شعورا بالاحترام والتقدير للقيم التي نشأ عليها ،كما أن كبار السن يفضلون اللقاءات المباشرة بدفئها الإنساني الخالص عوض الاكتفاء بالمكالمات الهاتفية التي طغت في الوقت الراهن وتحاول تعويض الحضور الشخصي ،والذي (اللقاء المباشر) يعطي نكهة خاصة لأجواء العيد ويرفع من معنويات كبار السن.
و إذا كان لدى كبير السن ظروف صحية تمنعه من الصيام أو الحركة، يفضل أن تكون زيارته في أواخر أيام رمضان لتأنيسه، مع ضرورة أن تكون أول زيارة في العيد له لرفع معنوياته والتبرك به ،كما تقول العامة .
وتبقى زيارة كبار السن في تطوان خلال عيد الفطر أيضا هي الروح التي تحيي بيت العائلة ، واللمسة التي تمنح لرمضان والعيد طعمه الحقيقي ،مع استحضار أن الأجداد هم ذاكرة الأسرة الحية وبركتها ، والجلوس معهم حول مائدة إفطار واحدة ليس مجرد تقليد، بل هو تجديد لعهد المحبة، واعتراف بفضل جيلٍ ربّى فأحسن التربية، وأعطى فأجزل العطاء.
و الحفاظ على هذه الزيارات هو صيانة للهوية التطوانية والمغربية الأصيلة التي تضع الكبير في مقام التوقير والتقدير ،وهي أيضا فرصة لنملأ بيوت أجدادنا بالبهجة، ولنستقي من حكمتهم ما يضيء لنا دروب الحياة، على أن تظل الدار الكبيرة دائما الملاذ الأول والأخير لكل مغترب أو منشغل بصخب الحياة.
والعيد “الصغير ” في تطوان لا يكتمل إلا بلقاء الكبار وتقبيل أياديهم،وهي لحظات قصيرة في زمنها، لكنها عظيمة في أثرها النفسي والروحي،وعلينا أن نجعل من زيارة كبار العائلة أولوية تسبق كل المظاهر.. فخَلْف كل تجعيدة في وجوههم قصة صمود، وفي دعواتهم عند الإفطار أبواب سماء مفتوحة بالخير والبركة.

error: Content is protected !!