بيوتات تطوان العريقة:حين يتحول تقطير الزهر الى ميثاق وفاء للهوية
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
تُعد مدينة تطوان مَعقلا لطقوس أندلسية غائرة في القدم، لعل واحد منها طقس “تقطير الزهر” ،الذي يتجاوز كونه عملية تصنيع بسيطة موسمية احتفالية ، ليكون إِرثا هُوياتيا تتناقله ساكنة المدينة وعائلات تطوانية بعينها كابِرا عن كابِر.
ومع إطلالة كل فصل الربيع، تفوح من خلف الأبواب الخشبية العتيقة رائحة “النرانْج ” (اللرانج كما ينطقها أهل تطوان) التي تعلن انطلاق موسم “مُقدس” لدى التطوانيين… و هذا الفن من فنون العيش في تطوان تحول إلى “أمانة عائلية” تتجاوز كونها حرفة تجارية الى الوجاهة الاجتماعية التي حافظت عليها أُسَر تطوانية عريقة و عضت عليها بالنواجذ .
و لقد ارتبطت أسماء عائلات بعينها في تطوان بجودة التقطير وسر “النَفَس” في استخراج الروح النقية للزهر ، هذه العائلات لم تورّث الأبناء فقط الأدوات الضرورية للتقطير ، بل أورثتهم الدقة المُتناهية في اختيار توقيت جَنْي الزهر قبل طلوع الشمس والصبر الجميل في مراقبة قطرات “الروح” وهي تنسل ببطء في القنينات الزجاجية ،وكذا أسرار التفوق والإتقان بخصوص درجات الحرارة وطرق التخزين التي تجعل الماء المُقطر يدوم لسنوات دون أن يفْقد تمَيزه.
وتقطير الزهر في تطوان ،كما في الكثير من المدن المغربية الأصيلة ، يتجاوز كذلك الفعل السنوي المعتاد لدى نساء المنطقة الى استحضار لذاكرة الأندلس المفقودة، حيث تصبح كل قطرة ماء زهر بمثابة صلة وصل بين تاريخ العوائل المعنية بشكل خاص وأهل تطوان وحاضر المدينة ،التي ورغم تغير ممارسات وأنماط عيش الناس بها لازالت شامخة وصامدة في وجه المُتغيرات التي تحاول أن تنخر جسدها للأسف.
وترى الأسر العريقة ،سواء منها المُحترفة في مجالها أو التي تتخذها طقسا سنويا ،أن الحفاظ على “القطارة” هو حفاظ على شرف العائلة وانتمائها لهذه المدينة العريقة ..و هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمدينة وتاريخها الذي لم تُفنه مُتغيرات الزمن .
و على الرغم من أن معظم العائلات العريقة في المدينة كانت تقطر الزهر للاستهلاك المنزلي والمناسباتي ، إلا أن هناك عائلات تطوانية ارتبط اسمها تاريخيا بالبراعة في هذا المجال أو بامتلاك البساتين التي تنتج أجود أنواع الزهر والورد الجوري و ارتبط اسمها بالبساتين والتقطير والجودة العالية، منها عائلة الخنوس وعائلة لوقاش وعائلة بن عبد الوهاب ،على سبيل المثال وليس الحصر ، و هي العائلات التي حافظت على الطريقة التقليدية في “التقطير” و حولت هذا التقليد من ممارسة منزلية بحتة إلى فعل مهني حافظت به على هذا الموروث من الاندثار وجعلت التطوانيين يفضلون “الزهر المقطر باليد” الذي يُحفظ في قنينات زجاجية تغلق ب”الفرشي” (الفلين) ومغلفة ب”الخنش” أو الخيش (ثوب) لحمايته من الضوء.
وتقطير النباتات في تطوان عامة هو “فلسفة تقديس للبيئة”، و دليل على أن الإنسان التطواني كباقي الشعوب الأصيلة استطاع أن يستخلص من الطبيعة نَكَهات لطعامه وعطورا لروحه، وحَول منزله ،أكان كبيرا أو صغيرا ، إلى فضاء جميل دائم العطر لا يعترف بانتهاء فصول السنة ،خاصة منها فصل الربيع .
ويظل تقطير الزهر في تطوان شاهدا حيا على عمق التراث الأندلسي الذي احتضنته تطوان ورعته لِقُرون ،وهي العملية التي لا تكتفي باستخلاص عطر “النرانْج”، بل تستخلص معها قيم التآزر العائلي و” الاستمرارية الجيلية ” وفن الحياة والعيش ،حيث تنتقل “الأسرار ” من الأمهات إلى البنات ومن الآباء إلى الأبناء كأمانة غالية تتحدى زَحف العصرنة التي تستغل غالبا بالشكل الصحيح الذي يفيد الناس.
وتمَسك العائلات التطوانية بهذا التقليد هو في حد ذاته تمَسك بالماضي الجميل وتميز هُوياتي يجعل من رائحة الزهر في دروب المدينة “بصمة وراثية” تفوح بعبق التاريخ ووسيلة للحفاظ على جوهر التراث الثقافي والموروث الشعبي ،ولذلك حرص أهل تطوان في الماضي أن تكون شوارعهم وأزقتهم ودروبهم ورياضاتهم غاصة بأشجار “النرانج” قبل أن تُستبدل بأشجار أخرى لا فائدة منها .
ورهان الحفاظ على هذا الموروث الأصيل على عاتق الأجيال الحالية والقادمة ، لكي تظل مدينة تطوان دائما، مع كل إشراقة ربيع، عاصمة للطيب والجمال والأصالة والتميز والتفرد والإتقان والبراعة و”البُعد الوجداني” الذي يجمع بين الفن والتاريخ في علاقة وثيقة.