ليس من قبيل المبالغة القول إن المغرب، اليوم، يعيش واحدة من أكثر المراحل دينامية في تاريخه الحديث. فالمملكة التي اختارت، منذ سنوات، أن تجعل من الاستقرار السياسي، والإصلاح المؤسساتي، والتنمية الاقتصادية، والانفتاح الدبلوماسي، والتحديث الاجتماعي، أعمدة لمشروعها الوطني، أصبحت رقماً صعباً في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
وفي عالم لا تُقاس فيه قوة الدول فقط بحجم اقتصادها أو امتدادها الجغرافي، وإنما أيضاً بقدرتها على صناعة المبادرة، وبناء الشراكات، والدفاع عن مصالحها، وتثبيت حضورها في محيطها، استطاع المغرب أن يراكم، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، مكتسبات جعلت المملكة تحظى بمكانة متقدمة في حسابات العديد من القوى الدولية والإقليمية.
وكلما تقدم المغرب خطوة إلى الأمام، بدا أن هناك من يضيق ذرعاً بهذا التقدم.
وكلما راكمت المملكة نجاحاً جديداً، ارتفعت أصوات التشويش، وتكاثرت محاولات التبخيس، وظهرت حملات تستهدف صورة المغرب ومؤسساته واختياراته الاستراتيجية.
وهنا تحديداً ينبغي أن نكون واضحين.
إن المغرب ليس بلداً يعيش خارج محيطه، ولا دولة منفصلة عن صراعات المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية. ومن الطبيعي، في عالم السياسة، أن يكون لكل دولة أصدقاء وشركاء، كما أن لها خصوماً ومنافسين تختلف مصالحهم مع مصالحها.
لكن ما أصبح لافتاً هو أن بعض الأطراف لا يبدو أنها قادرة على تقبل حقيقة بسيطة: المغرب يتقدم.
يتقدم لأنه اختار أن يبني، لا أن يهدم.
ويتقدم لأنه جعل من الاستقرار قاعدة للانطلاق، لا ذريعة للجمود.
ويتقدم لأنه استثمر في البنية التحتية، والموانئ، والطرق، والطاقات المتجددة، والصناعة، والسياحة، واللوجستيك، والتحول الرقمي، وفي عدد من الأوراش الكبرى التي أعادت رسم صورة المملكة وموقعها الاقتصادي.
ويتقدم كذلك لأنه لم يحصر سياسته الخارجية في ردود الأفعال، بل عمل على توسيع شبكة الشراكات، وتنويع العلاقات، وتعزيز حضوره في إفريقيا، وترسيخ علاقاته مع أوروبا والعالم العربي، والانفتاح على قوى اقتصادية دولية صاعدة.
وهذه ليست شعارات سياسية، وإنما تحولات أصبحت ماثلة في الواقع.
لقد أدرك المغرب، منذ وقت مبكر، أن العالم الجديد لا ينتظر الدول المترددة، وأن السيادة في زمن التحولات الكبرى لا تُصان بالخطب وحدها، وإنما بالاقتصاد القوي، والمؤسسات الفاعلة، والدبلوماسية النشيطة، والأمن الغذائي والطاقي، والقدرة على صناعة الشراكات، والامتلاك الحقيقي لأدوات القوة الناعمة والصلبة.
ومن هنا نفهم كثيراً من التحولات التي عرفتها المملكة خلال السنوات الماضية.
فالمغرب لم يعد مجرد بلد يعبره الاستثمار، وإنما أصبح يسعى إلى أن يكون منصة استثمار وإنتاج وتصدير.
ولم يعد حضوره الإفريقي قائماً فقط على الخطاب السياسي، وإنما تعزز عبر مشاريع اقتصادية واستثمارات وشراكات ومبادرات متعددة.
ولم تعد دبلوماسيته مجرد دبلوماسية رد الفعل، بل أصبحت أكثر حضوراً في الدفاع عن المصالح الوطنية، وأكثر قدرة على نسج التحالفات وتوسيع هامش الحركة.
وهذه التحولات لا يمكن أن تمر دون أن تثير انتباه الآخرين.
في السياسة، لا توجد نجاحات بلا كلفة، ولا توجد مصالح استراتيجية بلا منافسين.
ومن الطبيعي أن تجد المملكة من لا يريد لها أن تتقدم، ومن لا يروق له أن تتحول إلى فاعل مؤثر في محيطها، ومن يرى في كل نجاح مغربي خسارة لمشروع آخر.
لكن الخطأ هو أن ينشغل المغرب كثيراً بمنزعجيه.
فالدول العظيمة لا تبني مستقبلها وهي تراقب باستمرار من يصفق لها ومن يهاجمها، وإنما تبنيه وفق رؤية واضحة لمصالحها الوطنية.
والمغرب، في هذا السياق، مطالب بأن يواصل طريقه بثقة، لأن أفضل رد على خصوم النجاح ليس الدخول معهم في معارك كلامية، وإنما تحقيق المزيد من النجاح.
إن ما يزعج بعض خصوم المملكة ليس فقط مشروعاً اقتصادياً أو موقفاً دبلوماسياً بعينه، وإنما التحول التدريجي للمغرب إلى دولة أكثر حضوراً وتأثيراً، تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وكلما أصبح المغرب أكثر قدرة على حماية مصالحه، ازدادت محاولات التشويش عليه.
وكلما توسعت علاقاته الدولية، ظهرت محاولات التشكيك في اختياراته.
وكلما نجحت مشاريعه الكبرى، انطلقت أصوات تبحث عن ثغرة في الصورة.
لكن المغرب الذي يعرف نفسه جيداً لا يحتاج إلى أن يستمد ثقته من الآخرين.
إنه بلد له تاريخ طويل، ومؤسسات عريقة، وعمق حضاري وثقافي، وموقع جغرافي استثنائي، وموارد بشرية قادرة على صناعة المستقبل.
وفوق ذلك كله، فإن المملكة تمتلك اليوم تراكمات مهمة من التجربة السياسية والدبلوماسية والتنموية.
وهنا تبرز أهمية القيادة الملكية.
فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، دخل المغرب في مسار تحولات عميقة طالت مختلف المجالات، من إصلاح البنية التحتية إلى تعزيز التنمية الاجتماعية، ومن تحديث الاقتصاد إلى إعادة تموقع المملكة على الخريطة الإفريقية والدولية.
وليس المقصود من ذلك القول إن المغرب وصل إلى مرحلة الكمال؛ فالدولة التي تتطور تدرك دائماً أن أمامها اختلالات وتحديات وأسئلة جديدة.
بل إن قوة المغرب الحقيقية تكمن أيضاً في قدرته على الاعتراف بنقائصه والعمل على إصلاحها.
فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى صورة وردية مصطنعة، وإنما يحتاج إلى دولة قوية تستمع إلى انتقاداته، وتعالج اختلالاته، وتحاسب المقصرين، وتكافئ المجتهدين، وتضع التنمية والعدالة الاجتماعية في صلب أولوياتها.
ومن هنا فإن الدفاع عن المغرب لا يعني الدفاع عن كل ممارسة أو كل مسؤول أو كل قرار.
الوطن أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أكبر من المسؤولين، والمصلحة الوطنية أكبر من الحسابات الحزبية والانتخابية الضيقة.
إن المغرب القوي هو المغرب الذي يستطيع أن ينتقد نفسه قبل أن ينتقده الآخرون.
والمغرب الواثق هو الذي لا يخشى الأسئلة الصعبة، ولا يخاف من النقاش العمومي، ولا يعتبر كل اختلاف مؤامرة.
لكن في المقابل، فإن الانفتاح لا يعني السذاجة، والديمقراطية لا تعني أن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد العبث بأمنها واستقرارها، وحرية التعبير لا تعني منح الشرعية للأكاذيب الممنهجة أو الحملات التي تستهدف ثوابت الدولة ووحدتها ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة.
مسؤولية الدولة في حماية المؤسسات والمصالح الوطنية.
ومسؤولية الإعلام في التحري والتدقيق وعدم الانجرار وراء الأخبار المفبركة.
ومسؤولية النخب السياسية في الارتقاء بالنقاش العام.
ومسؤولية المواطنين في التمييز بين النقد البناء وبين حملات التضليل.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُهزم فقط في ساحات المعارك، وإنما يمكن أن تتعرض للاستنزاف أيضاً عبر الحروب الإعلامية وحملات التضليل ومحاولات ضرب الثقة في المؤسسات.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع من يهاجم المغرب، وإنما كذلك مع كل ما يمكن أن يضعف ثقة المغاربة في قدرتهم على بناء المستقبل.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله خصوم أي دولة هو إقناع مواطنيها بأن بلدهم عاجز، وأن نجاحاته مجرد أوهام، وأن مؤسساته لا تستطيع التقدم، وأن المستقبل مغلق.
والمغرب، رغم كل الصعوبات، قدم خلال السنوات الماضية ما يكفي من الأدلة على عكس ذلك.
لقد شُيدت مشاريع كبرى، وتوسعت البنيات التحتية، وتطورت قطاعات اقتصادية، وتعزز الحضور الدبلوماسي، وتقدمت المملكة في عدد من المجالات التي أصبحت محط اهتمام دولي.
والأهم أن المغرب راكم تجربة جعلته أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات والتحولات.
لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة.
فالعالم يتغير بسرعة، والمنافسة الاقتصادية تشتد، والتحولات الجيوسياسية تتسارع، والتكنولوجيا تعيد تشكيل موازين القوة، والماء والطاقة والغذاء أصبحت عناصر مركزية في الأمن الوطني.
ولهذا فإن المغرب لا يستطيع أن يكتفي بما تحقق.
النجاح الحقيقي هو أن يتحول كل إنجاز إلى منصة لإنجاز أكبر.
وأن يتحول كل مشروع إلى فرصة لخلق الثروة وفرص الشغل.
وأن تتحول التنمية إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين.
وأن يتحول الاستثمار في البنية التحتية إلى استثمار أكبر في الإنسان.
فالمغرب الذي يخشاه خصومه ليس المغرب الذي يملك الطرق والموانئ والمصانع فقط، وإنما المغرب الذي يمتلك إنساناً متعلماً، وشاباً واثقاً من مستقبله، ومؤسسات قوية، واقتصاداً تنافسياً، وعدالة اجتماعية أكثر إنصافاً.
ذلك هو المغرب الذي يصعب كسره.
ومن هنا، فإن الرد الحقيقي على كل من يتربص بالمملكة لا يكون بالانفعال، ولا بالشتائم، ولا بالدخول في حروب هامشية.
الرد يكون بمزيد من العمل.
بمزيد من الإصلاح.
بمزيد من التنمية.
بمزيد من الاستثمار في الإنسان.
وبمزيد من الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فكلما كان المغرب قوياً من الداخل، أصبح أكثر قدرة على مواجهة الخارج.
وكلما كانت مؤسساته أكثر نجاعة، أصبحت حملات التشويه أقل تأثيراً.
وكلما شعر المواطن بأن بلده يتقدم وأن كرامته مصانة ومستقبله محفوظ، أصبح أكثر مناعة ضد كل خطاب يريد أن يزرع اليأس والشك.
إن نجاح المغرب لا ينبغي أن يكون سبباً للغرور، وإنما سبباً لمضاعفة الجهد.
ولا ينبغي أن يجعلنا نستهين بالمخاطر، وإنما أن يدفعنا إلى مزيد من اليقظة.
ففي عالم السياسة، لا مكان للدول التي تنام على أمجادها.
المغرب أمام فرصة تاريخية، لكنه أمام مسؤولية تاريخية أيضاً.
لقد تغير موقع المملكة في محيطها، وتغيرت نظرة العالم إليها، وتوسعت طموحاتها، وأصبحت لها مصالح استراتيجية متشعبة.
وكل ذلك يفرض عليها أن تكون أكثر قوة في اقتصادها، وأكثر عدلاً في مجتمعها، وأكثر صرامة في محاربة الفساد، وأكثر نجاعة في تدبيرها، وأكثر احترافية في إعلامها، وأكثر وحدة في الدفاع عن مصالحها الوطنية.
أما أولئك الذين يفقدون رشدهم أمام كل نجاح مغربي، فإن أفضل جواب عليهم هو أن نستمر.
أن نستمر في البناء.
أن نستمر في الإصلاح.
أن نستمر في الانفتاح.
أن نستمر في الدفاع عن مصالح المملكة.
وأن نستمر، قبل كل شيء، في الإيمان بأن المغرب قادر على أن يصنع لنفسه مكاناً يليق بتاريخه وإمكاناته وطموحات أبنائه.
لقد اعتاد البعض أن يرى المغرب من خلال صور قديمة، وأن يقيسه بمعايير الأمس.
لكن المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.
والمغرب الذي يتشكل اليوم لن يكون هو مغرب الغد.
وهذه، في حد ذاتها، حقيقة ينبغي أن يدركها الأصدقاء قبل الخصوم.
فالمغرب لا يحتاج إلى أن يقنع من لا يريد أن يراه يتقدم.
يكفيه أن يواصل التقدم.
وفي نهاية المطاف، فإن التاريخ لا يحتفظ كثيراً بضجيج الحملات العابرة، وإنما يحتفظ بما تبنيه الأمم، وما تتركه الدول من أثر، وما تنجح الشعوب في إنجازه.
والمغرب اختار طريق البناء.
طريقاً قد يكون طويلاً، وقد يكون شاقاً، وقد تعترضه مطبات وتحديات، لكنه طريق دولة تعرف أن المستقبل لا يُمنح، وإنما يُنتزع بالعمل والصبر والرؤية.
وإذا كان نجاح المغرب يزعج البعض، فليكن الجواب المغربي واضحاً:
سننجح أكثر.
لأن قوة المغرب الحقيقية ليست في أن يخلو محيطه من الخصوم، وإنما في أن يكون قادراً على مواصلة مسيرته رغم وجودهم.
وتلك هي معركة المغرب الحقيقية: أن ينتصر لمنطق الدولة، ولمنطق البناء، ولمنطق المستقبل.