“حومة العيون” بتطوان: من مهد الربض الأندلسي وقامات الفكر إلى شريان التجارة العابرة
هالةانفو. بقلم :عبد العزيز حيون
تُعتبر “حومة العيون” واحدة من أعرق روابض تطوان الأندلسية وأكثرها تميزا، إذ يرجع تاريخ تأسيسها إلى حدود سنة 1700 ميلادية، لتساهم منذ ذلك الحين بدورها في رسم المعالم الحضارية والاجتماعية المتجددة للمدينة وتوسعها.
وواكبت هذه “الحومة” العريقة مختلف مراحل التوسع العمراني للمدينة وتطورها، وظلت على مر العقود نسيجا عمرانيا فريدا يجمع بين عبق التاريخ الأندلسي ودينامية الحاضر وتلاقح الوافدين من مختلف الوجهات الجغرافية الدانية والنائية والقاصية .
تأسست “حومة العيون” في فترة مفصلية من تاريخ تطوان العمراني، حيث مثلت امتدادا سكنيا والربض الأندلسي الذي احتضن العامة من الناس وأصحاب الحرف والطبقات الاجتماعية النامية والعائلات التي تبحث لها عن موقع قدم في السلم الاقتصادي الصاعد ،وامتازت الحومة بتخطيطها الهندسي الدقيق الذي يناسب موقعها بسفوح جبل درسة المشرفة على مدينة تطوان من الجهة الشمالية ، وأزقتها الملتوية ، وتصميم منازلها وفق الواقع الجغرافي .
ومع مرور الزمن، شكلت “حومة العيون ” ، التي سميت بهذا الإسم لكثرة العيون والينابيع المائية العذبة التي كانت توجد فيها قديما وهي سمة اقترنت بذاكرة وتسمية مدينة تطوان نفسها ،جسرا عمرانيا واكب نمو المدينة وتمددها خارج الأسوار التاريخية دون أن تفقد طابعها الأصيل.
و لم تكن “حومة العيون” فقط فضاء سكنيا يكمل باقي الأحياء العتيقة لمدينة تطوان ، وإنما كانت حاضنة لقامات فكرية ودينية ووطنية شامخة تركت بصمات خالدة في تاريخ المغرب .. فقد شهدت هذه الحومة ولادة ونشأة أعلام بارزين من أجيال مختلفة ، من بينهم الفقيه والعالم الديني والشيخ الصوفي علي بن مسعود الجعيدي، والعلامة أبو العباس أحمد الرهوني مؤلف الكتاب الموسوعي العظيم “عمدة الراوين في تاريخ تطوان” ، والإعلامي والدبلوماسي والسياسي الكاتب محمد العربي المساري، إلى جانب قامات أخرى أثرت العمل السياسي، والإعلامي، والديني، وساهمت بفعالية في النضال الوطني وإثراء الحياة الفكرية للمملكة.
و مع التحولات الاقتصادية والتنموية التي شهدتها تطوان، عرفت “حومة العيون ” ، التي توجد على مقربة منها غربا باب النوادر ويجاورها السوق الفوقي شرقا ، تحولا تدريجيا و متسلسلا منها ما حافظ على خصوصيات الحي ومنها ما أساء الى تفرد عمرانه وأدواره التاريخية والجغرافية ، حيث تحولت أزقته الممتدة إلى شريان تجاري يضج بحيوية خاصة ونشاط يمتد لليوم بأكمله تقريبا .
والى حد ما نجحت الحومة في ملاءمة الطابع التجاري الحديث مع بنيتها التاريخية، لتتحول من حي سكني محافظ إلى مركز اقتصادي وسوق للقرب تقصده الساكنة والزوار لقضاء مآربهم اليومية واقتناء السلع المختلفة .
و تستقطب “حومة العيون” اليوم أعدادا غفيرة من عشاق ما لذ وطاب من المنتوجات الغذائية، حيث تُعد المقصد الأول للراغبين في اقتناء الحلويات ذات الأثمنة المناسبة للطبقات ذات الدخل المحدود ،كما تعج بدكاكين بيع المنتوجات المجالية ، ناهيك عن محلات لها تخصص فريد يصلح لهواة جمع القطع الأثرية والأثاث المستعمل الذي له جمالية خاصة و الأواني القديمة .
و تستمر حومة العيون بتطوان في أداء دورها كشاهد حي على عبقرية المعمار وتاريخ المراحل الدقيقة من المدينة ، متحولة من ربض أندلسي وموئل للقامات الوطنية والإعلامية والدينية، إلى شريان تجاري وثقافي نابض بالحياة.
إنها الفضاء الذي يتعايش فيه الماضي المجيد مع الحاضر الحي، معلنة بوضوح أن روح تطوان الأندلسية لا تموت، بل تجدد دماءها في كل زاوية من زوايا هذا الحي العريق.