الفن كقصيدة بصرية: رحلة العبقرية والتجديد مع “مُروض الحديد” عبد الكريم الوزاني

هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون

تعتبر تجربة الفنان التشكيلي والنحات المغربي الباهر عبد الكريم الوزاني، ابن مدينة تطوان الفيحاء، واحدة من أكثر التجارب الفنية فرادة ،أسلوبا وصنعا ، في المشهد التشكيلي العربي والإفريقي.
في أعماله، لا تقف اللوحة أو المنحوتة عند حدود الإطار والحديد ، بل تتحول إلى كائن حي يتنفس ألوانا، ويمزج بتناغم ساحر بين الواقع اليومي وعوالم المتخيل السريالي ليتجاوز حدود الواقع المألوف والمنطق العقلاني وليستمد الصور والأحداث من العقل الباطن و الأحلام و الهواجس النفسية.
إنه الفنان الذي استطاع أن يجعل من الكتلة والحجم والحديد لغة شعرية قادرة على المُخاتلة العادية و المراوغة الذهنية وكسر توقعات المتلقي بطريقة مقصودة، منحازا للبراءة والشغف ليمنح الفن المغربي بعدا عالميا يتجاوز الحدود ليصل الى أبعد متلقي في كرة الكون .
ولد عبد الكريم الوزاني في 7 فبراير من سنة 1954 بمدينة تطوان العريقة، مهد المدرسة الوطنية للفنون الجميلة،و هنا نبض مساره الإبداعي وبرز ولعه بالفنون التعبيرية ، وأثرت فيه بيئة تطوان الأندلسية بألوانها ونورها الخاص، مما جعله يستحق عن جدارة لقب “شاعر الألوان”.
يناديه أقرانه وتلامذته بـ “المْعَلم” و”مروض الحديد”، وهو لقب يتجاوز البعد الأكاديمي ليعبر عن الصنعة الدقيقة والتواضع الإنساني، وعن قدرته الفائقة على إيصال الفكرة و على تطويع الخامات الصلبة وتحويل المواد الصماء إلى منحوتات خفيفة تعزف ألحانا مبهجة تثير اهتمام الإنسان العادي قبل المتذوق للفن بأسراره .
وتتميز لمسات الفنان الخلوق والمتواضع عبد الكريم الوزاني المرئية بالحس الشعري، إذ تحضر الكائنات الخرافية و أشكال تشكيلية منسابة بأسلوب لربما يعيد للبالغين براءة النظرة الأولى إلى العالم والحالة الفطرية والنقية التي يرى بها الإنسان الأشياء لأول مرة.
و لا ينفصل فن الوزاني ، من وجهة نظري كصحافي وليس كناقد فني ،عن موقفه الفكري والإنساني، فهو يرى أن الإبداع عملية مستمرة تبدأ من الصرخة أو الخطوة الأولى لبناء الغد، وهو مسؤولية تجاه الأجيال القادمة لكن من منطلق إنساني تحتويه البراءة والفطرة الأولى .
ويتخذ الوزاني من التفاصيل اليومية نقطة انطلاق، ثم يحلق بها في فضاءات التجريد والرمزية والقياسات غير السوية ، مستحضرا عوالم تعبيرية “عفوية ” تضج بالحياة والمرح والسخرية .
و تتجلى رؤيته الإنسانية في مقولته الشهيرة: “من لا يفكر في الشباب لا يهمه المستقبل”، وهي القناعة التي جسدها ويجسدها عبر تعاطيه مع الفنانين الشباب الذين يشقون طريقهم نحو “المجد الفني” و من خلال مسيرته الطويلة في تدريس الفنون وإدارة المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، حيث حرص دائما على صقل المواهب الشابة ومنحها الأمل .
ويقتنع عبد الكريم الوزاني بجدوى “الدبلوماسية الفنية” وكون الفن قوة ناعمة وجسر للعبور الى الجغرافية الأخرى والى الإنسان الآخر الذي قد لا نتقاسم معه المعتقدات والقناعات .. وهو يعد من أبناء جيله الذين آمنوا بأن الفن ليس مجرد متعة بصرية داخل الغرف المغلقة، بل هو لغة عالمية قادرة على التواصل بين الشعوب والثقافات و تقريب سبل تقاطع أفكارها .
من هذا المنطلق، كرس فكرة “الدبلوماسية الفنية” باعتبارها دورا أساسيا وأداة جوهرية للتعريف بالهوية المغربية المتفتحة. فمن خلال معارضه الدولية ومشاركاته العابرة للقارات، أثبت أن المجسمات واللوحات التشكيلية و”الملامح الجمالية ” قادرة على بناء جسور من الحوار الثقافي والتسامح أعمق وأقوى مما تبنيه السياسات التقليدية، ليكون بذلك سفيرا ذا أثر دائم للجمال المغربي.
و عندما نتأمل مسار عبد الكريم الوزاني، الحاصل على دبلوم المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان عام 1975 ودبلوم المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بباريس عام 1978 و الذي عمل أستاذا ومديرا للمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان من عام 1998 حتى 2014 ، نجد أنفسنا أمام قامة فنية استثنائية لم تكتف بتأسيس مدرسة بصرية فريدة، بل أسست لفلسفة حياة تعتمد على الحب، النور، والأمل والتفاؤل والبسمة .
وتكمن ميزة الوزاني الفريدة في قدرته على الحفاظ على نبع الطفولة صافيا داخل روحه والاحتفاظ بصفاء البدايات وعفوية المشاعر بعيدا عن قسوة الحياة وهمومها لتبقى الروح متوهجة بالتمني والتطلع والطموح والتسامح، مع تسخير خبرة أكاديمية وفنية متطورة لتجسيد هذه الرؤية التي لازالت تشكل بوصلة داخل أروقة المعهد الذي تدرج فيه .
البراءة كفلسفة إبداعية: لا يخجل الوزاني من استحضار كائنات غريبة وأشكال هندسية قد لا يفهم الكل القصد منها ، والطيور الخرافية التي تشبه رسومات الأطفال ..هذه العفوية ليست بساطة ساذجة، بل هي “عفوية مدبرة” أو عبقرية مرئية تعيد تركيب العالم بنظرة خالية من التعقيد والزيف.
كما يكمن سحر إبداعه في التباين الصارخ بين المادة والنتيجة، إذ يستخدم مواد خشنة وحادة كالحديد والنحاس ، ليعطينا منتجا فنيا يفيض بالنعومة، والفكاهة، والشاعرية البصرية.
و انطلاقا من هذه الفلسفة ، لا يقدم الوزاني الفن كمرآة جافة للواقع، بل كبوابة للعبور نحو المتخيل والمبهج والمفرح والسر والجميل ،وهو يدعو المشاهد إلى التخلي عن وقاره الصارم والاستمتاع باللحظة ،التي هي في حد ذاتها دعوة مفتوحة للتصالح مع الذات والعودة إلى جوهر الإنسانية البسيط، حيث تصبح المنحوتة وسيلة للعب والمرح البصري، وحيث تحتفظ اللوحة بتألقها الشاعري الذي يمس القلوب قبل الأبصار.
إن “المْعَلم” ،الذي ولد في أزقة تطوان الملهمة، أثبت أن الصلب والحديد يمكن ترويضهما ليصبحا قصيدة سلام، وأن اللون مجسم يزرع الفرح في الحاضر ليبني أفقا أجمل للشباب و يعطي الأمل في المستقبل ويزرع الثقة والتفاؤل ويدفع للعمل بجد .

error: Content is protected !!