رشيد بن زروق.. شمعة تطوان التي لا تذبل وعميد عشق “أب الفنون”
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
في ركن ندي من أزقة تطوان العتيقة وبالضبط بحي “الترنكات”، حيث تتنفس الجدران عبق التاريخ وتفوح من روائح الصاحب والكرامة، ترعرعت حكاية عشق لا تنتهي بين رجل و”أب الفنون”.
إنه الفنان والمؤلف والمخرج والمشخص البارز رشيد بن زروق قيدوم المسرح التطواني ، الذي ظل – رغم عواتي الزمن وكرّ السنين – حارسا أمينا لقناديل المسرح، وثابتا على العهد كجبل عشق التعبير الجميل .
و المسرح بالنسبة لرشيد بن زروق لا ينحصر في خشبة وأضواء، وإنما هو نبض ينبض بوجع الإنسان البسيط وهموم المجتمع.
لقد استطاع هذا الفنان المسرحي الأصيل أن يحافظ على تقاليد المسرح العريق، فأنزل الركح إلى الشارع، وحبّب فن المسرح لأجيال وأجيال تعاقبت على تلقي دروس الجمال والحياة من يديه.
لقد خطّ يراعه وأبدع نصوصا مسرحية لصيقة بهموم الفئات الشعبية، ملتصقة بالنبض اليومي للشارع المغربي عامة والتطواني بشكل خاص.
عناوين أعماله وحدها تنطق بالعمق والالتزام الاجتماعي والفرجة الهادفة، ومنها:”الباب يا الحباب” و”سبع دعاوي” و”لا ديدي لا حب الملوك” و “الما والشطابة”و “شربيل حليمة” و “نار بلا دخان” و “حريرة محرحرة” و”ليام وليام”…
هذه العناوين وغيرها كانت مرآة صادقة لمجتمع يبحث عن ذاته، وصرخة فنية تعانق قضايا البسطاء بصدق وبساطة ممتنعة.
و لم تقتصر إسهامات رشيد بن زروق على التأليف والإخراج و التشخيص فحسب، بل امتدت لتشمل الفعل الثقافي الميداني الجاد.
فقد كان فاعلا أساسيا ضمن فرق مسرحية رائدة ، صال وجال معها في مختلف المهرجانات الوطنية، تاركا بصمته الخالدة لاسيما في مهرجان مسرح الهواة في أزهى عصوره وعز تألقه.
وإلى جانب المسرح الكبير، برع زروق ، كما عرفته شخصيا في منتصف سبعينيات القرن الماضي وأنا طفل صغير بعد ، في عوالم الطفولة والشباب، فكانت صباحياته للأطفال مدرسة قائمة بذاتها في التنشيط الثقافي ذي الأبعاد التربوية العميقة، في زمن كانت فيه شبيبة تطوان تنبض بالحياة وفي قمة عطاءاتها الفكرية والفنية.
ولم ينس أبناء مدينته كيف كان في ريعان شبابه سندا تربويا وعلميا، مقدما الدعم الدراسي للتلاميذ من مختلف المستويات في إطار تأطيري هادف تحت مظلة “الشبيبة الشغيلة”.
رشيد بن زروق هو بحق أحد الأعمدة الحقيقية للمسرح التطواني، وخليفة شرعي لرواد الجيل الذهبي في مدينة عريقة ذات تقاليد مسرحية متأصلة امتدت عبر أجيال متلاحقة منذ عهد الحركة الوطنية.
وهو يقف اليوم جنبا إلى جنب مع أسماء وازنة من قبيل المسرحي المتميز رضوان حدادو، ليشكلوا معا ذاكرة فنية حية لا تقدر بثمن.
إن الأستاذ رشيد بن زروق هو مصدر فخر واعتزاز دائم للثقافة التطوانية ولِمثقفي المدينة وقلاعها الفنية..إنه قامة إنسانية وفنية شامخة تستحق أسمى عبارات العرفان والتكريم، جزاء لما قدمه من تضحيات جسام وعطاءات متميزة جعلت من مسرح تطوان منارة لا تطفئ ومشتلا حيا للحب والجمال.
ويبقى رشيد بن زروق ،الذي ينحدر من جغرافية المسرحي الكبير عبد الصمد الكنفاوي، ذلك الحكيم الذي كلما انطفأت شمعة في محيط الفن، أضاء من روحه ألف مشعل، ليظل المسرح في تطوان حيا، نابضا، ومميزا على الدوام.