لم يعد غريبا أن تلجأ بعض الجهات في إسبانيا، كلما واجهت إخفاقا أمنيا أو سياسيا في تدبير المعابر ، إلى سياسة الهروب للأمام وتصدير الأزمات.
وفي هذا السياق المطبوع بالاستباقية المبيتة، تطل علينا بين الحين والآخر “شهادات” مقتطعة من سياقها، يزعم أنها أُدليت أمام قضاء إسباني عبر تقنية الفيديو، لتنسج سيناريوهات هوليودية تتهم مسؤولين أمنيين وسياسيين مغاربة بـ”التواطؤ” أو “تسهيل” التدفقات غير النظامية التي عرفتها تخوم مدينة سبتة السليبة يوم 30 يوليوز.
إنها بصراحة مفارقة عجيبة، بل ومهزلة “تحكيمية”، أن يتحول الضحية والدرع الواقي الأول إلى متهم، وأن تستبدل الحقائق الميدانية الموثقة بسطحية أقوال موجهة، تقتات على ميكانيزمات التضليل وتستند إلى منشورات رديئة على شبكات التواصل الاجتماعي حشدت أصلا للاقتحام ووثقها العالم أجمع بالصوت والصورة.
ومن السهل جدا صياغة روايات مزيفة خلف مكاتب مكيفة أو أمام محاكم تبحث عن وسيلة خروج من مأزق الإدانة الذاتية، لكن من الصعب جدا محو أطنان الأدلة البصرية التي نقلتها وسائل الإعلام الدولية والعالم بأسره يوم 30 يوليوز.
لقد وقف العالم على حقيقة ساطعة كشمس النهار وهو أن السلطات الأمنية والترابية المغربية المحلية لم تكن في أي لحظة في موقع “السلبية ” كما تدعي تلك الشهادات السطحية، بل كانت مرابطة ميدانيا في الخطوط الأمامية، بوجوه مكشوفة ومسؤولية تامة، لمواجهة أمواج بشرية عارمة تم حشدها عبر دعوات تحريضية رقمية وثقتها منصات التواصل الاجتماعي.
و تواجد المسؤولين المغاربة في قلب الحدث كان لغاية واحدة واضحة: احتواء الموقف، التصدي للتدفقات الجارفة، وحماية الأرواح من كارثة إنسانية محققة، مستخدمين في ذلك كل ما أتيح لهم من إمكانيات بشرية ومادية في ظل ظروف ميدانية بالغة التعقيد والضغط.
و في المقابل، كشف ذلك اليوم العجاف عن وجه آخر تماما للسلطات والأمن في سبتة السليبة ،وجه عنوانه الأبرز العجز التام، والارتباك الميداني، والوقوف موقف المتفرج السلبي أمام أسوار عجزت منظومة سبتة الأمنية عن تأمينها وحراستها وضبطها.
وبدل أن يتحلى جزء من سياسيي وقضاة إسبانيا بالجرأة المؤسساتية والشجاعة المهنية لفتح تحقيق جاد ومسؤول في أسباب انهيار خطوط الدفاع وفشلها الذريع في حماية المعابر ، آثرت دوائر معينة هناك نهج سياسة “تغطية الشمس بالغربال”.
فتم اللجوء إلى استغلال شهادات سطحية ، يراد منها قطف مكاسب سياسية رخيصة، عبر رمي كرة الفشل في ملعب مسؤولين مغاربة بعينهم .
و محاولة توريط أسماء وقيادات أمنية وسياسية مغربية قامت بواجبها الوطني والميداني على أكمل وجه، هي محاولة بائسة ومكشوفة تهدف من جهة إلى التغطية على العجز الهيكلي للأجهزة الأمنية بسبتة في إدارة أزمات الهجرة الجماعية ، ومن جهة أخرى الالتفاف على المساءلة الداخلية المفروضة على المتورطين في الفشل الميداني داخل سبتة السليبة .
كما تهدف هذه المحاولات البئيسة الى الضرب في مصداقية الجهود المغربية الجبارة التي ما فتئت تعترف بها كبرى العواصم الدولية كنموذج رائد في مكافحة و محاربة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
و التضحيات الجسام التي يبذلها رجال الأمن والسلطات الترابية يوميا على المعابر، في ظروف إقليمية ودولية بالغة التحدي لخير جواب على ترهات بعض من سياسيي إسبانيا .
وجدير بمن يوزعون صكوك الاتهام في مدريد أو سبتة السليبة أن يعلموا جيدا أن شمس الحقيقة لا يغطيها سياق مشبوه لشهادات عابرة أو منشورات مأجورة على الفضاء الرقمي.
فالمغرب كان ولا يزال حصنا منيعا، وسلطاته تعمل بمسؤولية ووضوح تام، بينما يبقى الفشل الإسباني في حراسة المعابر وصمة عار لا يمكن غسلها باتهامات واهية موجهة للنيل من جهود الكبار.