تشهد الودائع البنكية بالمغرب تحولا ملحوظا في سلوك الأسر والشركات، حيث كشفت أحدث إحصائيات بنك المغرب عن توجه متزايد نحو “الودائع تحت الطلب” (التي تتيح سحب الأموال فورا) على حساب “الادخار لأجل” الذي شهد تراجعا ملموسا.
أرقام تعكس الواقع المالي الجديد:
وفقا للبيانات المالية المسجلة حتى نهاية دجنبر 2025 ويناير 2026:
إجمالي الودائع: وصل إلى 1.367.65 مليار درهم بنهاية 2025، بزيادة سنوية قدرها 7.5%.
الودائع تحت الطلب: قفزت لتتجاوز 1.001 مليار درهم، مسجلة نموا بنسبة 11.3% في يناير 2026.
الحسابات لأجل (time deposits): انكمشت بنسبة 2.7% لتستقر عند 114.19 مليار درهم.
لماذا يفضل المغاربة “السيولة” على “الفائدة”؟
يحلل الخبير الاقتصادي محمد جدري هذا التوجه ،في تصريح للموقع الصحافي “لو 360” ،من خلال عدة عوامل رئيسية:
أولا ، ضعف العائد المادي: العائد على الودائع لأجل لا يتجاوز 2% لمدة ستة أشهر، بينما بالكاد يصل الادخار المنظم إلى 1.6%، مما يجعل تجميد الأموال لفترات طويلة غير مغرٍ اقتصاديا.
ثانيا، عدم اليقين الاقتصادي: في ظل تضخم مستمر وتوترات جيوسياسية دولية، يفضل الفاعلون الاقتصاديون “المرونة المالية” والقدرة على تحريك أموالهم بسرعة لمواجهة أي طوارئ.
ثالثا، الرقمنة: ساهم التطور في الخدمات البنكية عبر الإنترنت والدفع الإلكتروني في جعل الحسابات الجارية هي المحرك الأساسي للتدبير المالي اليومي.
رابعا، البحث عن بدائل: توجه جزء من المدخرات نحو استثمارات أخرى مثل العقار، البورصة، أو الذهب، بحثا عن مردودية أفضل.
تحديات أمام الأبناك المغربية:
رغم أن زيادة الودائع تعكس ثقة عالية في النظام البنكي، إلا أن تغير هيكليتها يطرح تحديات:
تذبذب الموارد: الودائع تحت الطلب أكثر تقلبا من الودائع لأجل، مما يعقد إدارة التوازن بين الأصول والخصوم داخل البنوك.
تمويل الاقتصاد: التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه السيولة “القصيرة الأمد” إلى تمويلات واستثمارات “متوسطة وطويلة الأمد” لدعم الاقتصاد الوطني.
استقرار ضريبي مفقود؟
علق بعض المتابعين على هذا الوضع بالإشارة إلى عامل “عدم الاستقرار الضريبي”.
فالمخاوف من فرض ضرائب مفاجئة على المدخرات (مثل مساهمة التضامن السابقة) تدفع الكثيرين لتجنب الحسابات المجمدة، مفضلين الحسابات الجارية التي تتيح سحب الأموال فور صدور أي قانون مالية لا يخدم مصالحهم.