تُعد تطوان، كما ورد في مقالاتنا المنشورة طيلة شهر رمضان المبارك ، مجالا غنيا لطقوس تتقاسم البعض منها مع المدن العتيقة المغربية ، و تبدأ خيوطها في التشكل مع اقتراب الأيام الأخيرة من شهر رمضان.
وفي قلب هذه الطقوس، تبرز “عيدية الأطفال” كحدث ينتظره الصغار بلهفة تفوق مجرد الحصول على قطع نقدية من أفراد العائلة ، فهي في تطوان مزيج من القناعات والسلوكات الإنسانية والتربية على قيم الكرم، والاحتفاء بالانتماء الأسري.
ويكون الأطفال ،إناثا وذكورا ، أبطال مشهد احتفالي يبدأ بصلاة العيد وينتهي بجولة “صلة الرحم” التي تملأ جيوبهم بالهدايا والبركات ما قل منها وما كثر ،وتتحول هذه العادة الاجتماعية الجميلة من مجرد “مصروف إضافي” إلى طقس اجتماعي يرسخ الهوية التطوانية في نفوس الأجيال الصاعدة و يغرس قيم الشكر والبهجة والعطاء والتقاسم وتبجيل الناشئة .
و صباح يوم العيد في تطوان له نكهة خاصة ، ففي هذا اليوم المبارك يُلقن الطفل منذ الصغر عبارات الشكر اللبقة ،و لا يكتفي الطفل بأخذ المال بل يجب عليه الدعاء للمُعطي بعبارات مثل: “الله يكثر خيرك” أو “الله يخلف عليك” ، و إظهار الفرحة والامتنان، مما يعزز الروابط الأسرية ويجعل الطفل يشعر بأنه جزء مُقدر من هذه المنظومة الاجتماعية .. وقبل الحصول على العيدية، يحرص الأطفال على تقبيل يد الوالدين والأجداد والأخوال والخالات والأعمام والعمات ،تعبيرا عن الاحترام والشكر، وهي ممارسة تربوية تسمى “التسليم” .
وتكتمل فرحة الأطفال بالعيدية بجولة عبر أزقة ودروب المدينة العتيقة التي تلبس حلة خاصة لا يضاهيها في ذلك أي حي آخر ..ومن الأطفال من ينفق جزءا من عيديتهم، مما يمنحهم شعورا بالاستقلالية والمسؤولية ،وحفظ ما تبقى في “القُلة” ( حصالة أو صندوق تقليدي لحفظ النقود مصنوع من الطين) للاستفادة منه لشراء أشياء أخرى قد يرغب فيها الطفل مستقبلا ،وهم الأطفال الذين يميلون الى الإدخار ومتشبعون بثقافة التدبير .
و قديماً، كانت “العيدية” تُصرف في شراء الألعاب البسيطة وبعض المأكولات والحلويات التي تباع بالمناسبة ،و اليوم، فرغم تغير الزمن، لا تزال لمتعة الإنفاق نكهة خاصة،إما لقضاء وقت في مدن الألعاب أو شراء أنواع من الحلويات التي يعشقها الأطفال .
و الطفل يدرك أن هذا المال جاء نتيجة زيارته لخاله وعمه وجده، مما يرسخ في ذهنه أهمية الترابط العائلي ،وهي وسيلة تعليمية لتوريث كرم المغاربة عامة من جيل إلى جيل.
والعيدية في تطوان أيضا هي خيط حريري يربط الطفل بهويته الأصيلة، ويجعل من عيد الفطر ذكرى محفورة بالحب، والرائحة الزكية، وصوت النقود الجديدة في الجيوب الصغيرة.
و تظل العيدية بتطوان هي تلك الابتسامة التي ترسمها الأسر على وجوه أطفالها ،وهي رسالة حب تتوارثها الأجيال، لتؤكد أن العيد ليس فقط في اللباس التقليدي أو أكل الحلويات، بل في تلك اللحظة التي يشعر فيها الطفل بتقدير كباره ومشاركتهم فرحة الصيام والاحتفال.