من متاجر بسيطة للأثواب إلى ذاكرة المكان: قصة حي “اقْلب شَقْلب” بتطوان

بقلم : عبد العزيز حيون

تتميز مدينة تطوان بعمق تاريخي وعمراني تتشابك فيه جغرافية الأحياء والشوارع بذاكرة السكان، حيث تحكي أسماء الأحياء قصصا حية عن أسلوب عيش أهاليها وطقوسهم وعاداتهم اليومية.
ومن بين أكثر الأسماء طرافة وأصالة في الذاكرة الشعبية التطوانية يبرز اسم حي “اقْلب شَقْلب”، القريب من مدرسة ابن خلدون حيث درست جزء من المرحلة الإبتدائية و على موقعه الآن خزان المياه ،وهو فضاء تحول مع مرور العقود من سوق بسيط للملابس ومعروضات أخرى أواخر خمسينيات القرن الماضي إلى حي سكني يسع مختلف الفئات المجتمعية ، يحمل اسما تلخص حكايته فلسفة التسوق الشعبي والتفاعل الإنساني العفوي.
وترجع جذور هذه التسمية الفريدة إلى سوق صغير للثياب والملابس وغيرها من المنتوجات التي تحتاجها الأسر ، حيث كان التجار يعرضون بضائعهم داخل “براريك” غير منتظمة، وتكدس الملابس فوق طاولات خشبية أو على الأرض دون ترتيب مسبق ،ما يدفع الزبون الى سلك طريقة خاصة في “التنقيب” على البضاعة التي يحتاجها .
وأمام هذا الزخم العشوائي، كان البائع يمنح الزبون كامل الحرية في تقليب القماش والملابس والبحث عن قطعه المفضلة بطريقة دؤوبة: يقلب الثياب من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل، يفتش بين الطبقات لعله يعثر على ما يناسب ذوقه ورغبته وإمكاناته .
هذه الحركة التفاعلية اليومية القائمة على التقليب والبحث العفوي المعتاد والمتفق بشأنها بين التاجر والزبون ،هي التي ولدت مصطلح “اقْلب شَقْلب”، لتتحول العبارة من وصف لعملية التسوق والتبضع إلى اسم علم يلتصق بالمكان.
و لم يقتصر هذا الفضاء ،المواجه لجبل غرغيز في منظر خلاب يجلب الناظرين، على البعد التجاري فحسب، بل كان مركزا حيويا للفرجة الشعبية والترويح عن النفس، كما هو جاري به العمل في فضاءات مختلف المدن المغربية المفتوحة ،سواء في فاس أو مراكش أو مكناس …، فقد كانت تقام فيه “الحلاقي” التي تجذب الملتفين حول الحكواتيين، إلى جانب عروض الألعاب السحرية وخفة اليد التي أضفت طابعا فرجويا ممتعا على أجواء السوق، وجعلت منه مقصدا يبحث فيه الناس عن البضاعة والترفيه في آن واحد.
و مع تعاقب السنين والتحولات العمرانية التي شهدتها تطوان، اندثرت البراريك الخشبية وشُيد خزان المياه في الموقع ذاته، ليتحول الفضاء إلى منطقة سكنية حديثة تسع مختلف الطبقات الاجتماعية .
ورغم هذا التغيير المعماري، لا يزال العديد من أبناء تطوان يطلقون اسم حي “اقْلب شَقْلب” على هذا الموقع ، مؤكدين أن هويات الأحياء لا تصنعها التخطيطات الرسومية فقط، بل تخلقها حكايات الناس وتخلدها الذاكرة الجماعية.

error: Content is protected !!